إصلاح منظومة الدعم في ليبيا: بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية
- الكاتب: admin
- 04 يونيو 2026
- 147
- القسم: مقالات

لم يعد ملف الدعم في ليبيا مجرد قضية اجتماعية تستهدف مساعدة الفئات المحتاجة، بل أصبح إحدى أكثر القضايا الاقتصادية والسيادية تعقيداً في البلاد. فالنظام القائم حالياً على دعم أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية لم يعد يحقق العدالة الاجتماعية المنشودة، بل تحول تدريجياً إلى مصدر للهدر المالي، وتشويه آليات السوق، وتمويل شبكات التهريب، فضلاً عن مساهمته في ترسيخ الاقتصاد الموازي وإدامة الفوضى الأمنية.
وانطلاقاً من ذلك، فإن إعادة النظر في هذا النموذج التقليدي لم تعد مجرد خيار مطروح للنقاش، بل أصبحت ضرورة وطنية تفرضها اعتبارات الكفاءة الاقتصادية، والاستقرار المالي، واستعادة الدولة سيادتها الكاملة على مواردها. ومن ثم، فإن أي معالجة جادة لهذا الملف ينبغي أن تبدأ أولاً بتشخيص مكامن الخلل البنيوي في منظومة الدعم القائمة.
يتمثل الخلل الأول في غياب العدالة التوزيعية؛ إذ إن النظام الحالي يدعم السلعة نفسها لا المواطن المستحق، الأمر الذي يجعل من يستهلك أكثر يحصل تلقائياً على حصة أكبر من المال العام. ونتيجة لذلك، تميل المنافع الفعلية للدعم نحو الفئات الأعلى دخلاً والأكثر استهلاكاً، بينما يتراجع أثره الحقيقي لدى أصحاب الدخول المحدودة.
وإلى جانب ذلك، يؤدي الدعم السلعي إلى تشويه آليات التسعير داخل الاقتصاد؛ فبيع السلع والخدمات الأساسية بأسعار رمزية يُفقد السوق قدرته الطبيعية على تحديد الكلفة الحقيقية، ويضعف الحوافز الاقتصادية للإنتاج والاستثمار، خصوصاً في القطاعات الحيوية كالنقل والطاقة والصناعات التحويلية.
كما أن الفارق الكبير بين الأسعار المحلية المدعومة والأسعار السائدة في الأسواق الإقليمية حوّل الوقود الليبي إلى سلعة جاذبة لشبكات التهريب عبر الحدود، وهو ما ترتبت عليه خسائر مالية كبيرة، إضافة إلى تداعيات مباشرة على الأمن القومي والاستقرار النقدي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ يشكل الدعم عبئاً مالياً مستداماً على الخزانة العامة؛ فاستمرار الإنفاق على دعم المحروقات يستهلك سنوياً موارد ضخمة كان من الممكن توجيهها إلى قطاعات أكثر إنتاجية، مثل التعليم، والصحة، والبنية التحتية، والتنمية المحلية.
وفي ضوء هذه الاختلالات، يبرز التحول نحو الدعم النقدي المباشر بوصفه نقلة نوعية تنتقل بالدولة من منطق دعم السلع إلى منطق تمكين المواطن. فهذا النموذج يضمن لكل مواطن نصيباً مباشراً وواضحاً من الثروة الوطنية من خلال ربطه بالرقم الوطني، بما يعزز العدالة الاجتماعية ويحد من الانحرافات التوزيعية القائمة.
كذلك، فإن تحرير الأسعار تدريجياً واستبدالها بالدعم النقدي يسمح باستعادة التوازن الاقتصادي؛ إذ تستعيد الأسواق قدرتها الطبيعية على العمل، وتصبح القرارات الاستثمارية قائمة على أسس اقتصادية أكثر واقعية، الأمر الذي يشجع على الإنتاج المحلي ويحفز الاستثمار في القطاعات الواعدة.
ومن النتائج المهمة أيضاً أن إزالة الفوارق السعرية بين السوق المحلية والأسواق المجاورة تؤدي إلى تجفيف المنابع الاقتصادية التي تعتمد عليها شبكات التهريب، بما يحد من استنزاف الموارد الوطنية ويضعف الاقتصاد الموازي.
إضافة إلى ذلك، فإن توجيه الدعم مباشرة إلى المواطنين عبر المنظومة المصرفية والمحافظ الإلكترونية يرفع من مستوى الشفافية والرقابة المالية، ويجعل السياسة المالية أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة، مع تقليص فرص الفساد وسوء الاستخدام.
وعلى المستوى الاجتماعي، يمنح الدعم النقدي المواطن مساحة أوسع لاتخاذ قراراته الاقتصادية بنفسه؛ فبدلاً من فرض نمط استهلاكي محدد عبر السلع المدعومة، يصبح الفرد أكثر قدرة على توجيه موارده وفق أولويات أسرته واحتياجاتها الفعلية.
غير أن نجاح هذا التحول يتطلب مساراً تنفيذياً متدرجاً ومدروساً يبدأ بمرحلة الإعداد المؤسسي، من خلال ربط منظومة الدعم بالرقم الوطني، وتطوير البنية التحتية للمصارف، وتوسيع نطاق الدفع الإلكتروني، مع احتساب القيمة العادلة للدعم النقدي وفق معايير دقيقة تراعي الاستهلاك ومستويات التضخم.
وبعد استكمال مرحلة الإعداد، تأتي مرحلة التنفيذ الفعلي التي تتطلب إعلان سعر صرف موحد ومستقر، والبدء في تحرير الأسعار تدريجياً وفق جدول زمني واضح، مع ضمان إيداع أول دفعة نقدية للمواطنين قبل بدء رفع الأسعار بوقت كافٍ لبناء الثقة وتخفيف المخاوف الاجتماعية.
أما خلال المرحلة الانتقالية، فيصبح من الضروري تفعيل الأجهزة الرقابية لمواجهة الاحتكار ومغالاة الأسعار، وإنشاء شبكات أمان اجتماعي للفئات الأكثر هشاشة، مع توجيه الوفورات المتحققة نحو تحسين الخدمات العامة وصيانة البنية التحتية.
وإذا ما نُفذ هذا التحول بصورة متوازنة ومدروسة، فمن المتوقع أن يحقق جملة من النتائج الاستراتيجية، أبرزها تقليص النزيف المالي، والحد من الاقتصاد الموازي، وخلق سوق طاقة أكثر كفاءة وجاذبية للاستثمار، فضلاً عن إعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وفي المحصلة النهائية، فإن إصلاح منظومة الدعم في ليبيا ليس مجرد إجراء مالي عابر، بل يمثل حجر الزاوية في أي مشروع إصلاح اقتصادي شامل. فالانتقال من رعاية السلع إلى تمكين المواطن نقدياً ليس مجرد تغيير في أدوات السياسة الاقتصادية، بل إعادة تعريف جوهرية للعلاقة بين الدولة والمواطن، بما يضمن وصول الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين، ويحول دون تحوله إلى أداة للهدر وتعميق الأزمات