أزمة الوعي المنهوب: اقتصاد الفوضى وصناعة التيه في ليبيا
- الكاتب: admin
- 15 مايو 2026
- 121
- القسم: مقالات

بقلم: فتح الله الكيلاني
في ليبيا، لم تعد الأزمة مجرد نزاع سياسي على السلطة أو الثروة، بل تحولت إلى أزمة وعي تُنتَج وتُدار بصورة مستمرة. فالمشكلة لا تكمن فقط في ضعف الدولة، وإنما في إعادة تشكيل العقل الجمعي داخل بيئة من الاستقطاب والتعبئة والانقسام، بما يمنع نشوء وعي وطني نقدي قادر على التمييز بين المصالح العامة والمصالح الفئوية
ومن هنا، فإن الفوضى الليبية لم تعد حالة طارئة، بل أصبحت اقتصاداً قائماً بذاته تستفيد منه شبكات متداخلة من أمراء الحرب، والاقتصاد الموازي، وبعض النخب السياسية، ومنصات التعبئة الأيديولوجية، فضلاً عن أطراف خارجية وجدت في هشاشة الدولة الليبية مجالاً لإدارة النفوذ والتوازنات الإقليمية.
وقد أسهمت هذه المنظومة في تحويل الخلافات السياسية الطبيعية إلى صراعات هوياتية حادة، تُستَخدم فيها اللغة الإعلامية والدينية والأيديولوجية لشحن المجتمع وإبقائه في حالة استنزاف دائم. وهكذا انشغل الليبيون بصراعات الوسائل والشعارات، بينما تراجع النقاش الحقيقي حول بناء الدولة والاستقرار والتنمية.
وبناءً على ذلك، لا يمكن معالجة الأزمة الليبية عبر التسويات الشكلية أو إعادة توزيع المناصب، لأن جوهر المشكلة أعمق من تبديل الوجوه. فاستعادة الدولة تبدأ أولاً من استعادة الوعي الوطني، عبر التعليم والإعلام والخطاب العام، بما يعيد الاعتبار لقيم المواطنة والتعايش ووحدة البلاد.
غير أن الوعي وحده لا يكفي ما لم يتحول إلى مؤسسة. ولهذا فإن بناء مؤسسات قادرة على فرض القانون وتقديم الخدمات يظل شرطاً أساسياً لكسر حلقة الفوضى. فالدولة لا تُقاس بالشعارات، بل بقدرتها على إنتاج أثر ملموس في حياة الناس، من مدرسة تعمل، ومستشفى منضبط، وكهرباء مستقرة، وإدارة تحترم المواطن.
وفي المحصلة، تبدو الأزمة الليبية أزمة وعي ودولة في آن واحد؛ أزمة تتغذى من الفوضى وتعيد إنتاجها باستمرار. ولذلك فإن الخروج من التيه لن يتحقق بمجرد تغيير النخب، بل عبر مشروع طويل النفس لتحرير الوعي من الاستقطاب، وتحرير المؤسسة من شبكات المصالح، وصولاً إلى بناء دولة يشعر المواطن داخلها بأنه شريك في الوطن، لا وقود لصراع لا ينتهي.