إبراهيم بلقاسم يكتب : حرية الصحافة في ليبيا… إلى الوراء دُرّ
- الكاتب: ibrahim blqasim
- 03 مايو 2026
- 26
- القسم: مقالات
في اليوم العالمي للصحافة , لم يعد تراجع ليبيا في مؤشر حرية الصحافة مفاجئ بقدر ما أصبح انعكاس طبيعي لمسار طويل من التعثر , فحلولها في المرتبة 138 عالميًا من أصل 180دولة وتراجع ليبيا مركزا واحد مقارنة بالعام الماضي وفق تصنيف “مراسلون بلا حدود”، ليس مجرد رقم، بل مؤشر على بيئة لم تتغير فعليًا، بل أعادت إنتاج أزماتها بشكل أكثر رسوخًا, فلا إصلاحات قانونية حقيقية أُنجزت ولا ضمانات جدية وُضعت لحماية الصحفيين أو صون حقهم في العمل بحرية.
خلال عام واحد فقط، من مايو 2025 إلى مايو 2026، تكررت أنماط الانتهاكات ذاتها: اعتقالات، اختطاف، ملاحقات، وحتى حالات وفاة. ولم يكن الصحفيون بعيدين عن موجات القمع التي طالت نشطاء خرجوا للتظاهر في وسط طرابلس، في مشهد يعكس تداخل الاستهداف بين العمل الإعلامي والنشاط المدني , هذا التكرار لا يمكن قراءته كحوادث منفصلة، بل كجزء من بنية أمنية وقانونية لا تزال تنظر إلى الصحافة باعتبارها مصدر تهديد، لا شريكًا في بناء الاستقرار.
في قلب هذه الإشكالية، يقف قانون الجرائم الإلكترونية، الذي تحول إلى أداة جاهزة لتجريم النشر وتقييد التعبير , ورغم الانتقادات المتواصلة من منظمات المجتمع المدني والمطالبة بان تكون جرائم النشر قضايا مدنية , لا يزال هذا القانون قائمًا دون مراجعة جدية، في تعارض واضح مع المعايير الدولية التي تميز بين حرية التعبير والجرائم الجنائية.
وعلى الأرض، لم تغادر ليبيا المنطقة الحمراء في مؤشرات حرية الصحافة , فالقيود الأمنية والعسكرية ما تزال تحكم المجال الإعلامي، من سحب تراخيص، إلى منع التغطية، وصولًا إلى التضييق على الصحفيين المحليين والدوليين.
حادثة منع الصحفيين من تغطية مراسم تأبين رئيس الأركان داخل وزارة الدفاع بناءا على طلب من احد الوزراء في الحكومة في 27 ديسمبر 2025 ليست استثناءً، بل تعبير عن نمط متكرر من إدارة المجال العام بمنطق الإقصاء.
في مدن مثل طرابلس وبنغازي، استمر توقيف الصحفيين واستجوابهم بسبب ما ينشرونه، بينما لا يزال الصحفي الصالحين الزروالي محتجزًا في سجن عسكري، في سابقة تطرح تساؤلات جدية حول مشروعية محاكمة المدنيين أمام جهات عسكرية، وحدود احترام حقوق الصحفيين.
ولا يقتصر التحدي على القوانين والانتهاكات المباشرة، بل يمتد إلى ثقافة مؤسسية رافضة للتعامل مع الإعلام.
إذ تتعامل بعض الجهات الرسمية مع الصحافة المحلية والدولية بمنطق الحذر المفرط، بل أحيانًا كخطر ينبغي تجنبه، ما يعكس نزعة واضحة نحو حجب المعلومات بدل إدارتها بشفافية.
أمام هذا الواقع، وجد بعض الصحفيين أنفسهم مضطرين للتكيف مع هوامش ضيقة، إلى حد “إتقان التحية العسكرية” كاستعارة عن الامتثال غير المعلن للقيود المفروضة، في محاولة للبقاء داخل المشهد الإعلامي، وتفادي الإقصاء الكامل.
إنها صورة تختصر حجم الضغوط التي تدفع الصحفي إلى الموازنة بين الاستمرار والتنازل.
ورغم قتامة الصورة، تظهر محاولات محدودة لتنظيم المهنة، مثل تبني مدونة سلوك مهني بدعم من المجتمع المدني من قبل الهيئة الوطنية لرصد المحتوي , غير أن هذه المبادرات تظل محدودة الأثر في غياب بيئة قانونية حاضنة
كما رصد محاولات أيضا للعود الي العمل النقابي بتفعيل دور نقابة الصحفين طرابلس ولكن يظل الانقسام بين عدة كيانات قائم خصوصا في ظل وجود نقابتين بنغازي يعمّق حالة الضعف، ويقوّض قدرة الصحفيين على بناء جبهة موحدة للدفاع عن حقوقهم.
في النهاية، تبدو حرية الصحافة في ليبيا عالقة بين قبضة أمنية ثقيلة وإصلاحات لم تكتمل , وبينما تستمر الانتهاكات، يبقى السؤال الحقيقي هنا : هل هناك إرادة سياسية لإعادة تعريف العلاقة مع الإعلام؟ دون ذلك، سيظل التراجع هو القاعدة، وستبقى حرية الصحافة خطوة إلى الأمام… وخطوتين إلى الوراء.