الهجرة غير الشرعية في ليبيا ما بين التحديات القانونية والأبعاد الأمنية

  • الكاتب: admin
  • 04 يونيو 2026
  • 117
  • القسم: مقالات
الهجرة غير الشرعية في ليبيا ما بين التحديات القانونية والأبعاد الأمنية

الهجرة غير الشرعية و توطين الأجانب في ليبيا : التحديات القانونية والأبعاد الأمنية في ضوء التشريعات النافذة.

الكاتب / محمود الطوير
باحث في شؤون الهجرة

يمثل ملف الهجرة غير الشرعية والوجود الأجنبي داخل ليبيا أحد أكثر الملفات ارتباطًا بمفاهيم السيادة الوطنية والأمن القومي والاستقرار الديموغرافي، وهو ما يجعله محل نقاش متجدد كلما طُرحت مبادرات أو برامج أو أنشطة تستهدف تقديم خدمات لفئات من الأجانب المقيمين داخل الأراضي الليبية.
غير أن أي معالجة موضوعية لهذه القضية يجب أن تنطلق من المرجعية التشريعية الوطنية النافذة، باعتبارها الإطار القانوني المنظم للعلاقة بين الدولة والأجانب الموجودين على إقليمها، بعيدًا عن الاعتبارات السياسية أو الإعلامية أو الانطباعات العامة.





وقد أعادت بعض الوقائع المتداولة مؤخرًا بشأن تقديم خدمات أو تسهيلات لفئات من الأجانب إثارة الجدل حول حدود العمل الإنساني المشروع ومدى توافق بعض الأنشطة مع السياسة التشريعية التي انتهجها المشرع الليبي في مجال مكافحة الهجرة غير الشرعية ومنع توطين الأجانب.
و من ثم تبرز الحاجة إلى قراءة قانونية تستند إلى النصوص النافذة لتحديد الضوابط الحاكمة لهذا الملف.

أولًا: الإطار القانوني المنظم لوجود الأجانب في ليبيا.

لا تزال ليبيا تفتقر إلى تشريع وطني متكامل ينظم اللجوء ويحدد شروط اكتساب صفة اللاجئ والحقوق والالتزامات المترتبة عليها، الأمر الذي يجعل تنظيم وجود الأجانب داخل البلاد خاضعًا بصورة رئيسية للتشريعات المنظمة لدخول الأجانب وإقامتهم ومغادرتهم، وفي مقدمتها القانون رقم (19) لسنة 2010 بشأن مكافحة الهجرة غير المشروعة، والقانون رقم (24) لسنة 2023 بشأن مكافحة توطين الأجانب في ليبيا.

ويشكل هذان القانونان الإطار التشريعي الأساسي الذي يعبر عن السياسة القانونية للدولة الليبية تجاه الهجرة غير النظامية والوجود الأجنبي غير المشروع داخل الإقليم الوطني.

ثانيًا: موقف القانون رقم (19) لسنة 2010 من الهجرة غير المشروعة

جاء القانون رقم (19) لسنة 2010 ليؤكد مبدأ خضوع دخول الأجانب وإقامتهم للضوابط القانونية التي تضعها الدولة، واعتبر أن الدخول إلى الأراضي الليبية أو الإقامة فيها بالمخالفة للتشريعات المنظمة لذلك يشكل وضعًا غير مشروع يرتب مسؤولية قانونية.

كما وسع المشرع نطاق التجريم ليشمل مختلف الأفعال المرتبطة بتسهيل الهجرة غير الشرعية، بما في ذلك تنظيم عمليات النقل أو الإيواء أو تقديم المساعدة التي تمكن المخالفين من الاستمرار في وضع غير قانوني داخل البلاد.
ويعكس ذلك توجهًا تشريعيًا واضحًا ينظر إلى الهجرة غير المشروعة بوصفها قضية تتداخل فيها الاعتبارات القانونية والأمنية والسيادية.

ومن خلال هذا التنظيم يتبين أن المشرع لم يقتصر على تجريم فعل الدخول غير المشروع ذاته، بل امتد إلى تجريم كل صور الدعم أو التسهيل التي من شأنها إدامة المخالفة أو تعزيز آثارها.

ثالثًا: القانون رقم (24) لسنة 2023 ومنظومة مكافحة التوطين

يُعد القانون رقم (24) لسنة 2023 تطورًا تشريعيًا مهمًا في السياسة القانونية الليبية المتعلقة بالهجرة، إذ انتقل من معالجة المخالفات الفردية المرتبطة بالإقامة غير المشروعة إلى مواجهة ما اعتبره المشرع مخاطر ذات أبعاد ديموغرافية وسيادية ناتجة عن احتمالية تحول ليبيا من دولة عبور إلى دولة استقرار دائم للأجانب.

وقد عرفت المادة الأولى من القانون التوطين بأنه العمل على إدخال الأجانب إلى ليبيا بقصد البقاء فيها واتخاذها موطنًا دائمًا لهم، كما اعتبرت من قبيل التوطين إعادة الأجانب إلى ليبيا بعد مغادرتهم للإقليم الليبي.

ويكشف هذا التعريف عن إرادة تشريعية واضحة تستهدف منع أي ممارسات أو سياسات أو ترتيبات من شأنها إحداث استقرار دائم للأجانب داخل البلاد خارج الأطر التي تقررها الدولة. كما أن مفهوم التوطين، وفقًا للقانون، لا يقتصر على منح الجنسية أو الإقامة الدائمة، وإنما يشمل كل فعل يؤدي فعليًا إلى ترسيخ وجود الأجانب واستقرارهم بصورة دائمة داخل الإقليم الليبي.

رابعًا: الآليات القانونية لمواجهة التوطين.

استحدث القانون عددًا من الأدوات التنظيمية والرقابية الرامية إلى الحد من ظاهرة التوطين، من أبرزها نظام الكفيل الليبي المنصوص عليه في المادة السادسة، والذي يهدف إلى تعزيز الرقابة القانونية والإدارية على وجود الأجانب داخل البلاد.

كما منحت المادة السابعة الجهات القضائية المختصة سلطة إبعاد الأجنبي الذي يثبت دخوله بقصد التوطن، إضافة إلى إمكانية إبعاد الممثل القانوني للشخص الاعتباري الذي يثبت تورطه في الأفعال المجرمة بموجب القانون.

وتؤكد هذه الأحكام أن المشرع تبنى سياسة وقائية لا تقتصر على معاقبة المخالفات بعد وقوعها، وإنما تهدف إلى منع نشوء أوضاع قانونية أو واقعية قد تفضي إلى تحقيق غاية التوطين.

خامسًا: حدود العمل الإنساني في ضوء التشريع الليبي

تتمثل إحدى أبرز الإشكاليات القانونية في التمييز بين العمل الإنساني المشروع وبين الأفعال التي قد تؤدي عمليًا إلى تحقيق نتائج تتعارض مع أهداف المشرع في مكافحة التوطين.

فالأصل أن تقديم المساعدات الإنسانية الطارئة للمحتاجين يدخل ضمن الاعتبارات الإنسانية المشروعة التي تفرضها القيم الأخلاقية والالتزامات الإنسانية العامة. غير أن التكييف القانوني لا يتوقف عند طبيعة النشاط أو التسمية الممنوحة له، وإنما يتحدد بالآثار الواقعية والقانونية المترتبة عليه.

وعليه، فإن المسألة لا تتعلق بتقديم خدمة صحية أو غذائية أو إنسانية عابرة، وإنما بمدى تحول هذه الخدمات إلى منظومة مستمرة تساهم في تثبيت الوجود غير المشروع للأجانب أو تشجع على الاستقرار الدائم داخل ليبيا أو تخلق بيئة جاذبة لمزيد من تدفقات الهجرة غير النظامية.

وفي هذه الحالة يصبح من المشروع قانونًا بحث مدى توافق تلك الأنشطة مع مقاصد التشريعات الوطنية وأهدافها.

سادسًا: السيادة الوطنية وإدارة ملف الهجرة

يعد تنظيم دخول الأجانب وإقامتهم وإبعادهم من أبرز مظاهر السيادة الإقليمية التي يقرها القانون الدولي للدول. ومن ثم فإن وضع سياسات الهجرة وتحديد شروط الإقامة وإدارة التوازنات السكانية والديموغرافية يظل اختصاصًا أصيلًا للسلطات الوطنية.

وبناءً عليه، لا يجوز لأي جهة أجنبية أو منظمة دولية أو مؤسسة غير حكومية أن تحل محل الدولة في رسم هذه السياسات أو تعديلها أو تجاوزها، كما تظل جميع الأنشطة ذات الصلة بملف الهجرة خاضعة لرقابة السلطات الوطنية المختصة ومدى توافقها مع التشريعات الليبية النافذة.

كما تلتزم الدولة بمتابعة وتقييم البرامج والمشروعات المنفذة في هذا المجال والتحقق من انسجامها مع مقتضيات الأمن القومي والمصلحة العامة، واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة عند ثبوت أي مخالفة.

سابعًا: الأبعاد الأمنية والديموغرافية للهجرة غير المشروعة

لم يعد ملف الهجرة غير المشروعة مجرد مسألة إدارية أو خدمية، بل أصبح يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالأمن القومي والأمن المجتمعي والأمن الديموغرافي.

فالتزايد غير المنضبط لأعداد الأجانب المقيمين بصورة غير قانونية ينعكس على قطاعات الخدمات العامة والبنية التحتية وسوق العمل والإسكان والموارد المالية للدولة، وقد يفرز تحديات اجتماعية وأمنية واقتصادية تتطلب معالجات قانونية ومؤسسية فعالة.

ومن هذا المنطلق، فإن تطبيق التشريعات المتعلقة بمكافحة الهجرة غير المشروعة والتوطين لا يمثل خيارًا سياسيًا فحسب، بل يعد تنفيذًا لالتزام قانوني يهدف إلى حماية المصالح العليا للدولة وصون تركيبتها السكانية وضمان الإدارة الرشيدة لمواردها.

خاتمة

إن تحقيق التوازن بين مقتضيات السيادة الوطنية والاعتبارات الإنسانية يمثل التحدي الحقيقي في إدارة ملف الهجرة داخل ليبيا. فاحترام القيم الإنسانية لا يقتضي تعطيل التشريعات الوطنية أو تجاوزها، كما أن حماية السيادة لا تتعارض مع تقديم المساعدة الإنسانية وفق الضوابط القانونية المعتمدة.

ومن ثم فإن أي معالجة جادة ومستدامة لهذا الملف يجب أن تنطلق من الالتزام الصارم بأحكام القانون رقم (19) لسنة 2010 والقانون رقم (24) لسنة 2023، مع ضمان خضوع جميع الجهات والأفراد والمنظمات العاملة في هذا المجال لأحكام القانون، بما يحفظ السيادة الوطنية و يصون الأمن القومي ويمنع نشوء أو فرض وقائع ديموغرافية أو قانونية تتعارض مع السيادة الوطنيّة.

اضف تعليقك

الاشتراك
نبّهني عن
guest

0 تعليقات
الأقدم
الأحدث الأكثر تصويت
Inline Feedbacks
عرض جميع التعليقات